تقرير الحصة الثانية لدورة “مهارات الاجتهاد المقاصدي” – ذ. لخضر حمادي

تقرير الحصة الثانية لدورة “مهارات الاجتهاد المقاصدي” – ذ. لخضر حمادي

تقرير عن اليوم الثاني من دورة المقاصد

لخضر حمادي

 نظم المركز العلمي للنظر المقاصدي في القضايا المعاصرة عبر تطبيق زووم، يوم الأربعاء 25 نونبر 2020، ثاني أيام الدورة التدريبية في موضوع “مهارات الاجتهاد المقاصدي” التي يؤطرها الدكتور سالم الشيخي .

وقد استهل اليوم التدريبي الثاني بعد افتتاح بآيات بينات، بتقديم مدير الدورة الدكتور ربيع حمو التعازي للشيخ سالم الشيخي باسمه الشخصي وباسم المركز العلمي للنظر المقاصدي وباسم جميع المشاركين في الدورة التدريبية سائلا الله تعالى أن يتغمد قريبته بواسع رحمته.

واستهل الشيخ سالم الشيخي البرنامج التدريبي لليوم الثاني بالتذكير بمنهجيته في هذه الدورة مذكرا بالحديث عن المهارات المرجوة، من هذه الدورة، كونها دورة تدريبية لا دورة معلومات، على اعتبار أن شروط المشاركة في الدورة تفترض أن جميع المشاركين لهم ما يكفي من الدراية الفكرية بالمقاصد، ولا حاجة لإعادة التطرق لذلك في الدورة التدريبية.

مع ذلك وقف الشيخ مع بعض المعلومات التي تعني المتدربين، ومنها ما قدمه على أنه تعريف للمقاصد مأخوذ من جملة ما أشار إليه الإمام الشاطبي وهو أن المقاصد هي المعاني الكلية القطعية التي شرعت لأجلها الأحكام والتي بها صلاح الدارين.

فالمعاني هي الغايات والمصالح ، وتكون كلية أي مطردة عامة ، ووصف العموم فيها المقصود به عموم ثبت بالاستقراء التام، ومن صفات هذه الكلية أيضا أنها غير زائلة ولا متبدلة وأنها حاكمة وغير محكوم عليها.

أما فيما يتعلق بأقسام المقاصد فألمح إلى أنه ينبغي الانتباه إلى أمر مهم، حيث أن هذه الأقسام سنحتاج إليها عند الترجيح فيجب تجنب التداخل، بين المصلحة الكلية والجزئية ، العامة والخاصة، الواقعة والمتوقعة، القطعية والظنية..إلخ وهنا المصلحة الواحدة يُنظر إليها من زوايا متعددة ومختلفة؛ قبل أن يشر إلى تقسيم المقاصد حسب رتبتها أو باعتبار الاضطرار إليها من عدمه، فهي إما:

ـ مقاصد ضرورية ومكملاتها

ـ مقاصد حاجية ومكملاتها

ـ مقاصد تحسينية ومكملاتها

وأشار إلى ما اعتبره مهما، وهو ضرورة البحث في باب المكملات في باب المقاصد لأنه يحتاج إلى مزيد من البحث وليس فيه دراسات كافية ..

أشار أيضا إلى أهمية التقسيم باعتبار العموم والخصوص وباعتبار الكلي والجزئي ، وهذا سنحتاجه في الدورة كما قال، حيث تقسم المقاصد باعتبار مدى شمولها لمجالات التشريع وأبوابه إلى :

ـ مقاصد عامة : وهي التي تلاحظ في أغلب أحكام الشريعة وأبوابها ولا تتخصص في نوع خاص..

ـ مقاصد خاصة : معنية بباب معين ، مقاصد خاصة في باب البيوع مثلا …

ـ مقاصد جزئية خاصة بمسألة معينة أو نظائرها

فائدة هذا التقسيم بالنسبة للتدريب ، أن ينظر المجتهد المقاصدي مستحضرا المقاصد الكلية حتى لا يأتي بحكم جزئي يصادمها، وأن يكون ذا فهم لمقاصد الباب، وكذا المقاصد الجزئية ..

وتحدث عن مثال اشتراط ألا يصف الثوب في مسألة الحجاب وأنه لا يصح الدليل في حديث مسلم، وأعمل النظر المقاصدي في السألة مشيرا إلى أن اللباس الضيق الذي يصف العورة لا تتحقق به مقاصد اللباس في ستر العورة ..

وقد مثل لهذا التقسيم برسم بياني دوائري ينطلق من العام إلى الخاص إلى الجزئي، ممثلا لذلك بمسألة النكاح، فالمجتهد عليه أولا أن ينظر إلى مقاصد الشريعة العامة في حفظ النسل، ثم ينظر إلى مقاصد الشريعة الخاصة في النكاح تحديدا ثم ينظر في تلك الجزئيات والمسائل بعينها المعروضة عليه .

وأما تقسيم المقاصد باعتبار المكلفين، فهي إما مقاصد كلية تتعلق بجميع المكلفين ، أي بعموم الأمة، أو مقاصد جزئية خاصة بآحاد الأفراد أو المجموعات الصغيرة وهي ما يسميه بعضهم المصالح البعضية.

ثم مقاصد أصلية وتبعية ، وما يتعلق بالضروري والكفائي، مشيرا إلى أن من المهم جدا وما يحتاج إلى بحث أن مسائل الفروض الكفائية أنزلها الشاطبي منزلة الضروريات في أغلبها، وهذا حسب الشيخ بحث ضروري، ومثل لها بالمقاصد التي لها علاقة بالمجتمع ككل فهي تنزل منزلة الضرورة عند الشاطبي وتحدث عن واقع أوروبا ..

ثم عاد ليؤكد على ضرورة النظر للمصالح من الجانب الكلي والجزئي، فالنظر من الجانب الكلي ينقلها إلى أعلى أحيانا ممثلا لذلك بنقل الإمام الشاطبي مسألة النكاح لكلية النفس، فالنظر إليه باعتبار الجانب الكلي يفضي إلى أن إذا انقطع التناسل بالكلية فهذا يهدد النفس، وأعطى مثالا آخر وهو الربا، فهو أصبح منهاج حياة وينبغي أن ننظر إليه بالمعنى الكلي إذ ليس عقدا بين طرفين بل هو منهج وركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد المعاصر، وقد تعامل معه الشاطبي بالمعنى الجزئي وليس بالمعنى الكلي كما قال الشيخ سالم ..

كما تطرق إلى موضوع الاتحاهات المعاصرة في التعامل مع مقاصد الشريعة، مبينا أولا أن هذه الساحة لا يلجها إلا من امتلك أدوات الاجتهاد العلمي بشهادة علماء عصره وأقرانه، ومن الاتجاهات اليوم اتجاه يعنى بالنصوص الجزئية ويتهم ويعادي من يتحدث عن المقاصد الكلية وهو اتجاه غير صحيح يخالف ما كان عليه سلف الأمة فلو رجعنا إلى المنتج الفقهي سنرى أن العلماء أعملوا مقاصد الشرع بشكل دقيق ؛ القسم الثاني هو اتجاه الإفراط والمبالغة في العمل بالمقاصد، وبينه وبين أصول الفقه بقواعده حرب، فهو يحرف النصوص والأحكام الجزئية، وهذا الاتجاه يمثله بشكل كبير بعض المدارس منها مدرسة شحرور .. ويسميه الشيخ سالم بالمعطلة الجدد . والتيار الثالث الذي يجمع بين النظر الجزئي والكلي ويصل النصوص بواقع الحياة هو المدرسة الوسطية المطلوبة .

كما نبه إلى باب آخر اعتبره مهما في البحث هو حجية المقاصد، منبها إلى أن المقاصد هي معايير وأدوات يستعين بها المجتهد على الترجيح ويحتاج إليها في الغالب عند وجود التعارض وليست دليلا مستقلا من أدلة الشرع ..

ثم انتقل إلى القسم التطبيقي التدريبي ..

فذكر بالأدوات التي يحتاجها المجتهد وهي:

1ـ فقه التأصيل

2ـ فقه الواقع والواقعة

3 ـ فقه الموازنات

4ـ الخلفية التصورية للمجتهد

أما بالنسبة للتأصيل فأكد على معنى مهم وهو أنه تعرض لنوع من الاختزال ، فليس هو البحث عن الأدلة الجزئية فقط ، وهذا أضر بالاجتهاد، وإنما التأصيل عند الشيخ يدور على معان ثلاث هي:

أولا: التعريف وتحديد الماهية، وهذا مما يجب ضبطه حتى نحرر محل النزاع..

ثانيا: مكون الأدلة الشرعية والقواعد الأصولية والمقاصد المرعية

ثالثا: البعد الزماني والتطبيقات التاريخية ، له ارتباط بالأمة

هذه المكونات الثلاث تكون معنى التأصيل، فالتأصيل هو إرجاع المعارف إلى أصلها في الوجود والوحي

أما ما يتعلق بفقه الواقع، فهو من الأهمية بمكان لأن النزاول ترتبط بواقع بشكل كلي وبواقعة بشكل جزئي، ومن أراد الاجتهاد فعليه أن يتمكن من الأدوات التي تعينه على فهم الواقع والواقعة، ممثلا لذلك بمسيرة العودة إلى فلسطين مثلا أو الثورات العربية فهذا يحتاج إلى فقه يتعلق بالواقع وبالواقعة تحديدا وينبغي للمجتهد أن يكون مدركا للواقع وإلا وقع الإفتاء بمجرد ما عنده من الكتب فيكون كما قال القرافي قد وقع في الانحراف والضلال ، وفقه الواقع هو أحد ركني الاجتهاد التنزيلي كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله .. معرجا على مكونات النظر في فقه الواقع متمنيا أيضا أن يكون الأمر موضوع بحث الباحثين لأنه مسألة في غاية الأهمية، ممثلا لذلك بمن يكتفي بمطالعة الأخبار لزعم فقه الواقع ..

وقد تحدث عن نموذج يعتمده الشيخ في تحليل الواقع، اعتمد في تحقيقه على ما يسمى بالنمذجة في علوم الاجتماع وهو مبني على النظر في رباعية : ـ الظرفية الواقعية ، و الظرفية الشخصية ، والإمكانية الفردية ، والإمكانية الجماعية، وبتحليل هذه الرباعية يتمكن المجتهد من الإحاطة بفقه الواقع والواقعة ، وألح على مسألة فقه الواقع مذكرا بحكم أحد الفقهاء الذين أفتى لبعض المسلمين في بلاد الغرب بوجوب الهجرة ولو إلى القمر … كما أشار في نفس السياق إلى قسمة أخرى أو نموذج آخر وهو التقسيم المبني على تقسيم المعنيين إلى أفراد أو جماعات ، مع الإشارة إلى النوع، والإمكانات والعوائق …

وقد مثل الشيخ الكريم لهذا الفقه أي فقه الواقع والواقعة بعدد من فظائع ما وقع للمسلمين بليبيا في عهد القذافي وما رافق ذلك من جمود في النظر المقاصدي حيث كان منهم من دخل السجن بسبب عدم الترخص في حلق اللحية في ظل الظروف السياسية السيئة وبعضهم مات في السجون، والحكم تكليفي كان يسع المجتهد فيه أن يقول له هذا عجز يسعك معه أن تحلق اللحية .

أما فقه الموازنات، فألح الشيخ على أهميته، وأنه هو الفهم في إدراك نسبية المصالح والمفاسد الشرعية عند تنزيل الأحكام.

قبل أن يتطرق إلى ما يسميه فقه المقاصد والخلفية التصورية للمجتهد، مذكرا بداية بما يسمى في علم التخطيط  ب Metastrategy بقاع التفكير الاستراتيجي، فالأمريكي مثلا في قاع تفكيره الاستراتيجي هناك حق شرعي للكيان الصهيوني، ولذلك فكل خططه تؤسس على هذا، اليوم مجموعة من المقاصد الشرعية لا ينبغي أن تظل سطحية عند المجتهد، بل يجب أن تكون في قاع تفكيره، وبذلك تتأثر كل الأحكام الصادرة عنه بهذه الخلفية التصورية، ممثلا لذلك باستبطان الوسطية مثلا أو الإنسانية  .. هناك مجموعة من خصائص التشريع يجب أن تكون في قاع تفكير المجتهدين، وهذا ما يسميه الشيخ بالبعد السلفي الذي عاشه الصحابة وأخذوه من المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الخصائص الوضوح، الربانية المرونة، الثبات، الإنسانية، الوسطية، الواقعية، الاختلاف ، الشمول …

قبل أن يختم بالتطرق للمهارة الأولى من المهارات السبع وهي مهارة الإلحاق بالكليات الخمس .

والكليات الخمس هي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. بهذا الترتيب .

منبها لى ضرورة اختيار كل مدرب تعريفا للكلية لإدراك حقيقتها حتى يتم الإلحاق بيسر، والخلاصة عنده حفظه الله أن :

ـ كل العقائد والغيبيات تعود لحفظ الدين

ـ كل العبادات تعود لحفظ الدين

ـ أمهات القيم تعود إلى حفظ الدين نسبيا ( قيمة الأمانة مثلا إذا كانت تتعلق بالعلماء ووظيفتهم تعود إلى كلية جفظ الدين، أما إذا كانت تتعلق بالمعاملات المالية مثلا فتعود إلى حفظ المال، وهكذا ..)

وأما حفظ النفس، فعنده حفظه الله ينبغي النظر إليها بالاعتبار المادي والمعنوي، فحفظ النفس في الجانب المادي هو حفظ للنفس في جانبها الوجودي وحفظها في الجانب المعنوي يؤدي إلى حفظ وجودها في الجانب المعنوي كحفظ الكرامة والحريات العامة، وهذا يغنينا عن إضافة كليات جديدة ..

وأما حفظ النسل ، فيختار الشيخ ما يعتبره صوابا وهو أن حفظ النسل يشمل حفظ النسل والنسب والعرض..

وأما حفظ العقل فله أيضا صلة بجانب مادي وجانب معنوي وهذا يضيف معان أخرى لحفظ العقل كالنهي عن الخرافة والشعوذة وقضايا اليوم من الصراع الثقافي وغيرها ..

ثم تطرق إلى ترتيب الكليات وأوضح أنه اختار ترتيبا مبنيا على تعليل معين، وهو حفظه الله يختار ترتيبا مبنيا لا على الحدود وإنما بتصور ما يسميه انخرام هذه الكلية، سواء أكان هذا الانخرام بالنسبة للفرد أو للأمة بشكل عام مع تصور ما يؤدي إليه هذا الانخرام ثم بناء الترتيب على وفق ذلك، ممثلا لهذه المنهجية بتعرض امرأة للإكراه بالزنا أو دفع جزء من مالها ، فنتخيل رفع المال بالكلية ، أو التعدي عيها بالكلية فنقول لها أن تدفع المال وتحافظ على نفسها، فنقول أن حفظ النسل مقدم على حفظ المال، مثلا..

 ونبه الشيخ إلى أن الخلاف في هذا المقام التدريبي لا يعنينا وأنه يختار ترتيبا للكليات كالآتي:

حفظ الدين ـ حفظ النفس ـ حفظ العقل ـ حفظ النسل ـ حفظ المال .

وهذا الترتيب هو المعتمد في هذه الدورة ، كما تحدث عن قضية الإضافة على الكليات وأنها كلها تؤول إلى كلية من الكليات الخمس إذا نظرنا إليها من الجانب المادي والمعنوي.

قبل أن يختم حفظه الله بأمثلة لهذه المهارة، أي مهارة الإلحاق بالكليات الخمس، وأنها عموما مؤسسة على قدرة المجتهد على البحث عن المعنى المصلحي بتحليل النص وتقسيمه إلى معان جزئية ، ثم تحديد المعايير والضوابط المتعلقة بكل من الكليات الخمس المقاصدية حتى يسهل الإلحاق ، ليتم بعد ذلك إلحاق هذه المعاني الجزئية والأحكام الفرعية بالكلية المرتبطة بها، أو بأكثر من كلية.

منبها إلى ضرورة إنجاز التمارين بدقة مع إتقان التحقق من توفر معايير الإلحاق وعلله ومبرراته .

وانتهى اليوم الثاني بعمل الورشات وهي 11 مجموعة ، اجتمعت كل مجموعة بمنسقها في غرفة زووم خاصة ، لتوحيد العمل في أفق إنجاز التمارين قبل يوم السبت 28 نونبر 2020 .

والحمد لله رب العالمين .

1 تعليق

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

1 التعليق

  • فاطمة حداد
    30/11/2020, 10:19 م

    جزاكم الله خيرا على اامجهود المبارك من جمع شتات الموضوع.

    الرد